السيد عباس علي الموسوي

308

شرح نهج البلاغة

واحد . . . الإيمان به والتصديق بوجوده والعمل بمقتضى أمره ونهيه . العقلاء يقفون أمام اللّه وقفة الصغير المطلق مقابل الكبير المطلق ، وقفة المحتاج أمام الغني المطلق ، وقفة الضعيف أمام القوي المطلق ، وإن كل وقفة تقفها أمام ربك وبمقدار تصاغرك أمامه تزداد عزا ورفعة أمام غيره من الطواغيت والفراعنة وأنصاف الآلهة . . . الإنسان العاقل إذا عرف ربه وعرف صفاته ، صفات ذاته أو صفات أفعاله ، يجب أن يتعامل مع هذه المعرفة على حقيقتها وواقعها . إذا عرف أن اللّه قوي وهو ضعيف ، يجب أن يتعامل على أساس هذه المعرفة ، فلا يطغى في قوته ولا يتجاوز على الآخرين من منطلق قدرته وقوته . وإذا عرف أن اللّه هو الغني وأن نفسه فقيرة يجب أن يتعامل مع غنى اللّه وفقر نفسه على حقيقته ، يعترف أن اللّه هو الغني وبيده العطاء ، وأن ما بيد هذا الإنسان كله من اللّه ومن فيض عطائه ، فلا يبخل بما أمر اللّه به من العطاء لعباده ولا يشح عليهم بما في يديه لأن ذلك من اللّه وهو قادر أن يسلبه في لحظة واحدة من لحظاته ، يجب على الإنسان أن يتعامل مع اللّه في إطاعته وامتثال أوامره وأن لا يتراخى أو يتهاون في هذا الأمر ، فإن اللّه إذا أمر بفعل أو نهى عن آخر فإنه لا يأمر إلا بحسن ولا ينهى إلا عن قبيح . ومن كانت أوامره ونواهيه بهذه الصفات حق أن يطاع في أمره أو نهيه ، لأنه ومهما وصلت عقول الناس إلى بعض الأمور فلن تصل إلى درجة المواجهة بين رأي اللّه ورأي عبد ضعيف من عباده . وما قيمة رأي يخرج عن إنسان ممكن يعرض عليه الخطأ والنسيان في مقابل رأي اللّه الخالق المبدع الواجب الوجود الذي كله خير وكله علم وحلم وكله صفات كمال وجمال . . . ( يا بني إني قد أنبأتك عن الدنيا وحالها وزوالها ، وانتقالها ، وأنبأتك عن الآخرة وما أعد لأهلها فيها ، وضربت لك فيهما الأمثال لتعتبر بها وتحذو عليها . إنما مثل من خبر الدنيا كمثل قوم سفر نبا بهم منزل جديب فأموا منزلا خصيبا وجنابا مريعا ، فاحتملوا وعثاء الطريق وفراق الصديق وخشونة السفر وجشوبة المطعم ليأتوا سعة دارهم ومنزل قرارهم ، فليس يجدون لشيء من ذلك ألما ، ولا يرون نفقة مغرما ، ولا شيء أحب إليهم مما قربهم من منزلهم وأدناهم من محلتهم . ومثل من اغتر بها كمثل قوم كانوا بمنزل خصيب فنبا بهم إلى منزل جديب فليس شيء أكره إليهم ولا أفظع عندهم من مفارقة ما كانوا فيه إلى ما يهجمون عليه ويصيرون إليه ) الحديث عن الدنيا ذو شجون لا يكاد المرء يسد بابا إلا انفتحت له أبواب ، ولا يكاد ينتهي من الكلام عن جهة إلا وتجدد له الحديث عن جهات وجهات . ونحن هنا سنستعرض بعض ما ورد في ذمها ، كما سنستعرض